أحمد بن محمود السيواسي

209

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

من عادة إبراهيم وقومه أنه إذا أكل الضيف من طعامهم أمنوا منه ، فلما لم يأكلوا منه خاف أن يريدوا به سوء ولم يعرفهم ( وَأَوْجَسَ ) أي أضمر في قلبه ( مِنْهُمْ خِيفَةً ) أي خوفا ظهر أثره عليه أو عرفوه بتعريف اللّه إياهم ( قالُوا ) أي الملائكة ( لا تَخَفْ ) يا إبراهيم ( إِنَّا ) ملائكة ( أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ ) [ 70 ] أي لإهلاكهم ، وقيل : علم إبراهيم أنهم ملائكة ولكنه خاف أن يكونوا جائين بعذاب قومه فردوا عليه ذلك « 1 » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 71 ] وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ ( 71 ) ( وَامْرَأَتُهُ ) أي سارة بنت هاران عمه ( قائِمَةٌ ) خلف الستر تسمع كلامهم أو قائمة تخدمهم وإبراهيم جالس معهم ( فَضَحِكَتْ ) سرورا بزوال الخوف عنها وعن إبراهيم بقولهم لا تخف أو تعجبا من عدم أكلهم وهم أضياف ، وقيل : بمعنى حاضت من قولهم ضحكت الأرنب إذا حضت « 2 » ( فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ ) أي وبعده ( يَعْقُوبَ ) [ 71 ] أي بيعقوب ، عطف على « بإسحاق » عند من قرأه بنصب الباء أو هو مبتدأ ، خبره الظرف قبله عن من قرأه مرفوعا « 3 » ، كأنه قيل ومن وراء إسحق يعقوب موجود أو مولود وهو ولد الولد . [ سورة هود ( 11 ) : آية 72 ] قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ( 72 ) ( قالَتْ يا وَيْلَتى ) كلمة نداء ندبة ، يقال عند ورود أمر عظيم ، أي يا ويلتي ، فألفه مبدلة من ياء الإضافة بمعنى يا عجبا « 4 » ( أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ) أي عقيم لم ألد قط وقد كبرت في السن ( وَهذا بَعْلِي ) أي زوجي مبتدأ وخبر ، ومحل الجملة حال بما دل عليه « ذا » من معنى الإشارة كأنها أشارت إلى المعروف عندهم بقولها « هذا بَعْلِي » ثم قالت ( شَيْخاً ) تعني أشير إليه في حال كبره ولو لم يقدر كونه معروفا عندهم للزم أن يكون إبراهيم بعلها مدة شيخوخته ولم يكن بعلها في مدة شيبته ، ومثله قولك هذا زيد قائما فإنك إن أخبرت به من يعرفه استقام المعنى ، وإن أخبرت من لا يعرفه لم يستقم ، لأنه يفهم أنه زيد ما دام قائما ، فإذا زال القيام لم يكن زيدا ، قيل : « بشرت سارة بالولد وهي بنت ثمان وتسعين سنة ، وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة أكبر منها بسنة « 5 » ، وقيل : « كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وسارة بنت تسعة وتسعين سنة » « 6 » ، فأنكرت ذلك عادة ، وقالت ( إِنَّ هذا ) أي حدوث الولد من الكبيرين ( لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ) [ 72 ] أي لأمر مستبعد غريب من حيث العادة . [ سورة هود ( 11 ) : آية 73 ] قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ( 73 ) ( قالُوا ) أي الملائكة إنكارا عليها وهي من أهل بيت النبوة ( أَ تَعْجَبِينَ ) يا سارة كسائر النساء ( مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ) بايجاد الولد من كبيرين ، يعني لا تعجبين من أمره ذلك ( رَحْمَةِ اللَّهِ ) أي نعمته ونبوته ( وَبَرَكاتُهُ ) أي وزيادات خيره تحلان « 7 » ( عَلَيْكُمْ ) يا ( أَهْلَ الْبَيْتِ ) أي بيت النبوة ، يعني ألا تعلمين أن نبوة الوحي « 8 » من اللّه ، وأكثر الأنبياء من الأسباط وهم من هذا البيت ، يعني من ولد إبراهيم ، روي : « أن جبريل أخذ عودا من الأرض يابسا فدلكه بين أصبعيه فإذا هو شجرة تهتز فعرفت أنه من اللّه » « 9 » ، ثم قال ( إِنَّهُ ) أي اللّه ( حَمِيدٌ ) أي محمود في فعاله ( مَجِيدٌ ) [ 73 ] أي واسع الكرم كثير الإحسان . [ سورة هود ( 11 ) : آية 74 ] فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ( 74 ) ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ ) أي الخوف ( وَجاءَتْهُ الْبُشْرى ) بإسحاق ويعقوب حال بتقدير « قد » ، وجواب « لما » محذوف ، أي أقبل علينا ( يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ ) [ 74 ] أي في شأنهم ، حال أقيم مقام الجواب ، أي

--> ( 1 ) لعله اختصره من الكشاف ، 3 / 46 . ( 2 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 135 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 225 . ( 3 ) « يعقوب » : قرأ حفص وحمزة وابن عامر بنصب الباء ، والباقون برفعها . البدور الزاهرة ، 157 . ( 4 ) يا عجبا ، س م : يا عجباء ، ب . ( 5 ) عن الكلبي ، انظر السمرقندي ، 2 / 135 . ( 6 ) عن الضحاك ، انظر السمرقندي ، 2 / 135 . ( 7 ) تحلان ب س : تخلان ، م . ( 8 ) أن نبوة الوحي ، ب م : أن بيت النبوة الوحي ، س . ( 9 ) عن السدي ، انظر السمرقندي ، 2 / 135 .